الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

21

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وهذا التفسير جار على ما اختاره ابن الحاجب في « الأمالي » دون ما ذهب إليه صاحب « الكشاف » ، فإنه تكلف له تكلفا غير شاف . [ 12 ] [ سورة الأحقاف ( 46 ) : آية 12 ] وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً وَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِساناً عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ ( 12 ) أتبع إبطال ترّهاتهم الطاعنة في القرآن بهذا الكلام المفيد زيادة الإبطال لمزاعمهم بالتذكير بنظير القرآن ومثيل له من كتب اللّه تعالى هو مشهور عندهم وهو « التوراة » مع التنويه بالقرآن ومزيته والنعي عليهم إذ حرموا أنفسهم الانتفاع بها ، فعطفت هذه الآية على التي قبلها لارتباطها بها في إبطال مزاعمهم وفي أنها ناظرة إلى قوله : وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ [ الأحقاف : 10 ] كما تقدم . ففي قوله : وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إبطال لإحالتهم أن يوحي اللّه إلى محمد صلى اللّه عليه وسلّم بأن الوحي سنّة إلهية سابقة معلومة أشهره « كتاب موسى » ، أي « التوراة » وهم قد بلغتهم نبوءته من اليهود . وضمير مِنْ قَبْلِهِ عائد إلى القرآن . وتقديم مِنْ قَبْلِهِ للاهتمام بهذا الخبر لأنه محل القصد من الجملة . وعبر عن « التّوراة » ب كِتابُ مُوسى بطريق الإضافة دون الاسم العلم وهو « التوراة » لما تؤذن به الإضافة إلى اسم موسى من التذكير بأنه كتاب أنزل على بشر كما أنزل القرآن على محمد صلى اللّه عليه وسلّم تلميحا إلى مثار نتيجة قياس القرآن على « كتاب موسى » بالمشابهة في جميع الأحوال . و إِماماً وَرَحْمَةً حالان من كِتابُ مُوسى ، ويجوز كونهما حالين من مُوسى والمعنيان متلازمان . والإمام : حقيقته الشيء الذي يجعله العامل مقياسا لعمل شيء آخر ويطلق إطلاقا شائعا على القدوة قال تعالى : وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً [ الفرقان : 74 ] . وأصل هذا الإطلاق استعارة صارت بمنزلة الحقيقة ، واستعير الإمام لكتاب موسى لأنه يرشد إلى ما يجب عمله فهو كمن يرشد ويعظ ، وموسى إمام أيضا بمعنى القدوة . والرحمة : اسم مصدر لصفة الراحم وهي من صفات الإنسان فهي ، رقة في النفس تبعث على سوق الخير لمن تتعدى إليه . ووصف الكتاب بها استعارة لكونه سببا في نفع